قصة موسى والسامري | حين غاب النبي فاختُبر القوم

قصة موسى والسامري، إحدى القصص القرآنية التي تحمل في طياتها دروسًا عميقة عن الإيمان، والفتنة، والصبر. فبعد أن نجا الله تعالى بنو إسرائيل من بطش فرعون وهمان وجنودهما وأغرقهم كلهم في اليم، اطمئن موسى إلى قومه أن الإيمان قد ثبت فيهم.

فترك فيهم هارون كبيرا عليهم، ثم ذهب لمقابلة ربه أربعين ليلة، فاختبر الله إيمانهم بفتنة السامري الذي صنع لهم عجلًا ذهبيًا له صوت، فعبدوه من دون الله تعالى. قصة موسى والسامري وفتنة من شهدوا المعجزات "بني إسرائيل"، فلنتعرف عليها كما وردت في القرآن الكريم.

قصة سيدنا موسى والسامري

قصة موسى والسامري في القرآن الكريم

عندما أنجى الله بني إسرائيل من فرعون بالآية العظيمة، وهي معجزة انشقاق البحر وعبورهم منه، وبعد هلاك فرعون ظل بني إسرائيل يسرون في الصحراء، متجهين في طريقهم إلى أرض فلسطين.

فمر القوم على مجموعة من الناس يعبدون عجلًا، فطلبوا من سيدنا موسى أن يصنع لهم إله مثل هؤلاء الناس، صدم موسى من كلام قومه، فقال لهم: إنكم قوم جاهلون، تطلبون مني آلهة بعد أن أنجاكم الله من فرعون بطشه، وتريدون أن تعبدوا إلهًا غيره، وكانت هذه أول صدمة لموسى من قومه.

قصة موسى والسامري في القرآن الكريم

وعندما ذهب سيدنا موسى إلى موعده مع الله سبحانه وتعالى ليعلمه ما في الألواح، فترك أخاه هارون عليه السلام مسؤولًا عن بني إسرائيل، وكان سيدنا هارون نبيًا أيضًا. بقي موسى عليه السلام هناك ثلاثين يومًا، ثم زادهم الله عشرة أيام، فأصبحوا أربعين يومًا.

من هو السامري في قصة موسى؟

في ذلك الوقت كان من ضمن بني إسرائيل رجل اسمه السامري، اختلفت الروايات والتفسيرات عنه؛

في روايات قيل إنه من أهل باجرمة، وهي بلد قرب الموصل في العراق، من قوم يعبدون البقر.

بينما تقول أخرى، أنه كان من قبيلة اسمها سامرة، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، قال فيها: إن السامري كان من كارمان، وهي منطقة تقع في جنوب شرق إيران.

وقيل أيضاً، إنه كان من بني إسرائيل، وقد شهد معهم بطش فرعون. كلها روايات تفتقر إلى أي إثبات، ولكن ما ثبت عنه أنه كان معروفاً بالدهاء والخبث.

خروج بني إسرائيل من مصر وبداية الفتنة

رأى السامري جبريل عليه السلام عندما أغرق الله فرعون، ورأى فرس جبريل تنزل على الأرض، فأخذ حفنة من التراب من تحت حافر الفرس واحتفظ بها في كيس. وعندما خرج بنو إسرائيل من مصر، كانوا قد استعاروا ذهبًا من المصريين وأخذوه معهم.

كيف صنع السامري العجل الذهبي؟

جاء السامري إليهم في غياب سيدنا موسى، وكان متأكداً أن قلوب بني إسرائيل لا تزال متعلقة بعبادة الأجسام المحسوسة، كالأوثان والبقر والأصنام، فقال لهم: "أحضروا الذهب الذي أخذتموه لأصنع لكم إلهًا". فجمع الذهب وصهروه وصنعوا منه عجلًا، ثم رمى عليه حفنة التراب الذي أخذه من تحت حافر فرس جبريل.

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) سورة طه.

لماذا فُتن بنو إسرائيل بعجل السامري؟

لأن، هذا العجل قد أخرج صوتًا غريبا نتيجة مرور الهواء في دبره، وخروجه من فمه يصحبه بصوت له خوار كخوار الثور. تفاجأ بني إسرائيل مما راو وسمعوا، فقالوا: نعم، هذا إلهكم وإله موسى، ظن أنه ذهب لمقابلة ربه، وربه هنا لقد ونسوا فضل الله عليه ونعمته.

صدّق الجهلة من بني إسرائيل فعلت السامري وبدأوا يعبدون العجل، ويدورون حوله، ويستغيثون به، وتركوا عبادة الله سبحانه وتعالى.

موقف هارون من عبادة العجل

حاول سيدنا هارون عليه السلام أن يهدي قومه ويعيدهم إلى السراط المستقيم، فلقد قالها لبني إسرائيل وحاول منعهم، قائلًا لهم: "اتقوا الله، ليس هذا إلهكم، بل ربكم هو الرحمن"، لكنهم لم يسمعوا وهددوه وكادوا يقتلونه.

لم يستطع سيدنا هارون فعل شيء، فلقد خاف أن يفرق بين بني إسرائيل ويزيد الفتنة، وبالأخص عندما انقسم بنوا إسرائيل بين مؤيد ومعارض ومشكك، فانتظر الجميع عودة سيدنا موسى.

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ (91) سورة طه.

عودة موسى وغضبه من قومه

في ذلك الوقت، كان سيدنا موسى عليه السلام يتحدث مع ربه، فقال له: "يا موسى، لماذا أنت مستعجل وتركت قومك؟"، فرد سيدنا موسى قائلًا: "هم قادمون ورائي على نفس طريقي، وسبقتهم لترضى عني يا رب". فقال الله له: "يا موسى، لقد فُتن قومك بعدك، والذي أضلهم هو السامري". غضب سيدنا موسى غضبًا شديدًا، كيف يعود قومه الذين نجاهم الله بعد أربعين يومًا فقط إلى عبادة الأصنام! فأمسك بالألواح التي كتبها الله له ورماها من شدة الغضب.

رجع سيدنا موسى إلى بني إسرائيل وهو شديد الغضب، ورآهم يعبدون العجل، فقال لهم: "كيف تفعلون هذا؟ ألا تخافون أن ينزل غضب الله عليكم؟".

فرد الناس عليه قائلين: "تذكرنا الذهب الذي أخذناه من مصر، فقال لنا السامري أن نرميه، فرميناه فصنع لنا هذا العجل".

قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) سورة طه

ذهب سيدنا موسى إلى سيدنا هارون وأمسكه من لحيته ورأسه وقال له: "ماذا فعلت؟ كيف سمحت لهم بعبادة العجل؟ ألم أقل لك أن تكون مسؤولًا عنهم؟".

فرد سيدنا هارون قائلًا: "يا ابن أمي، استضعفني الناس وكادوا يقتلونني، وقد خفت أن تقول لماذا فرقت بين بني إسرائيل ولم تنتظر عودتي!".

الحوار بين موسى والسامري ومصيره

ذهب سيدنا موسى إلى السامري وقال له: "ما هذا الذي فعلته؟ لماذا أضللت الناس وجعلتهم يعبدون العجل؟".

فرد السامري قائلًا: "رأيت ما لم يره أحد، رأيت جبريل، وأخذت قبضة من أثره ورميتها على العجل، فنفسي هي التي وسوست لي بفعل هذا".

فدعا عليه سيدنا موسى قائلًا: "اذهب من هنا، عقوبتك في الدنيا أن تعيش منبوذًا لا تلمس أحد ولا يلمسك أحد، وتظل طوال حياتك تقول: لا مساس".

ثم أمر بحرق العجل وصهره ثم نسفه في البحر، وقال لهم: "إلهكم الحقيقي هو الله، لا إله إلا هو، وهو عالم بكل شيء". بعد ذلك بدأت العقوبة الحقيقية لبني إسرائيل الذين عبدوا العجل.

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) سورة طه.

ما هي عقوبة الذين عبدوا العجل من بني إسرائيل

أمر الله سيدنا موسى عليه السلام أن يتوب قومه، وكانت التوبة في ذلك الوقت أن يقتل بعضهم بعضًا. وعندما هدأ سيدنا موسى، عاد ليبحث عن الألواح التي رماها فوجدها، وكانت فيها هدى ورحمة للناس.

هذه كانت قصة موسى مع السامري، الرجل الذي أضل بني إسرائيل وصور لهم الضلال على أنه عبادة، وجعل الناس يعبدون عجلًا صنعه هو لهم بيده.

عمرو عكاشه
عمرو عكاشه
تعليقات