تعتبر قصة النبي يوسف عليه السلام أحسن القصص التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، تبدأ برؤيا يرويها الابن لأبيه فيفرح ويخاف عليه من إخوته، ثم يأتي الحسد بين الإخوة، ويدخل يوسف عليه السلام السجن ظلما في بلد غريب عنه، فيصبر حتى يصبح بعون الله عزيز مصر، وفي النهاية تتحقق رؤياه. دعونا نتعرف على أحد أشهر قصص الأنبياء، وهيا قصة يوسف عليه السلام كاملة.
قصة يوسف عليه السلام: رؤيا البراءة وبداية الحسد
كان لسيدنا يوسف أحد عشر أخا، وكان أبوهم سيدنا يعقوب عليه السلام يحبهم جميعا، ولكن يوسف كان الابن المدلل وكان له أخ شقيق أصغر منه اسمه بنيامين.
وفي ليلة من الليالي، رأى سيدنا يوسف رؤية عجيبة، فقصها على أبيه يعقوب عليه السلام قائلا له: يا أبتِ لقد رأيت احد عشر كوكب والشمس والقمر يسجدون لي.
فرح الأب بما رأى إبنه، وأخبره بأنه سيكون ذا مكانة عظيمة بين الناس، محذرا إياه من إخبار إخوته بما رأى في نومه، لأن الشيطان سيضع في قلوبهم الكره له. كما بشره أبوه بأن الله تعالى سيجتبيه ويعلمه من تأويل الرؤيا، ويتم نعمته عليه وعلى كل آل يعقوب.
مكيدة البئر وغدر الإخوة بيوسف
لاحظ أخوة يوسف حب أبيهم الشديد له، فتحولت الغيرة إلى حسد بينهم. اجتمع الأخوة في مكان يحوم حوله الشيطان، كان رأي الجميع أن يقتلوا يوسف ويتخلصوا منه إلى الأبد.
فقال أخ منهم: لا تقتلوه، بل ضعوه في بئر قريب من القوافل التجارية ليأخذوه إلى بلاد بعيدة، وبهذا تكونوا قد حقنتم الدماء وتخلصتم من يوسف.
رحب الإخوة بتلك الفكرة، ثم انطلقوا إلى أبيهم يعاتبونه على عدم تأمينهم على يوسف، فلقد قالوا له: يا أبانا لماذا لا ترسل يوسف معانا ليلعب؟ هل تخاف عليه منا.
قال لهم أبوهم: إني أخاف عليه من الذئب، يا أحبابي.
قال له أبنائه: إذا أكله الذئب فنحن الخاسرين! وكيف يأكله وجميع إخوته حوله؟ اقتنع الأب بكلام أبنائه الكبار وائتمنهم على يوسف، لعله يطفئ بذلك نار الغيرة بين الإخوة.
عندما وصل أخوة يوسف إلى مكان البئر، أنزلوا أخاهم في قعره. أوحى الله تعالى إليه وحياً ليطمئنه، ثم غادر أخوته وتركوه.
قميص الدم ودموع يعقوب عليه السلام
بعد فترة، جاءت سيارة ألقوا دلوهم في البئر ليملؤوه بالماء، فخرج إليهم يوسف. وعندما رآه أخوته اعترضوا على ذلك وطلبوا المال من السيارة.
كانت السيارة قد اشترت بضاعتها من الشام، وليس لديهم من المال ما يكفي لشراء هذا الغلام، فأعطوهم بعض الدراهم المعدودة، فقبل الأخوة فورا الدراهم القليلة، مع علامات تعجب من صاحب القافلة على بيع هذا الغلام بدراهم معدودة؟ أخذ الإخوة القميص وأعطوا يوسف كله للسيارة.
عندما عاد الأخوة إلى غنمهم، وجدوا الذئب قد أكل بعض الغنم وترك لهم أثرًا من الدم، لطخ الأخوة قميص يوسف بالدم، ثم أخذوه إلى أبيهم في الليل وهم ينتحبون ويبكون.
فزع الأب من مكانه، وسألهم عن يوسف. وعندما أخبروه بأن الذئب أكله وأعطوه القميص ليتأكد بنفسه، عرف بأنها مكيدة شيطانية، لأن القميص سليم وغير ممزق.
قال لهم أبوهم: "إنما سولت لكم أنفسكم أمرًا، فصبرٌ جميل فالله يعلم ما نويتم وما فعلتم".
الفتنة وقضية القميص الممزق مع زوجة العزيز
نجي سيدنا يوسف من البئر بعناية إلهية، وذهبت القافلة به من أرض كنعان إلى مصر، حيث إشتراه هناك عزيز مصر "المرتبة الثانية بعد الملك".
بعد أن إشتراه ورباه وأصبح شابا في منزله، كانت زوجة العزيز تضع عينيها عليه لشدة جماله.
غلقت الأبواب، وطلبت من يوسف ما يغضب الله فرفض، فشقت قميصه من الخلف وركض يوسف نحو الباب وفتحه فوجد خلفه العزيز، فقالت إمراة العزيز لزوجها: لقد أراد بأهلك سوءًا فانظر ماذا ستفعل به.
وعندما سأل العزيز يوسف، رد عليه قائلًا: هي من طلبت مني ذلك ولكني رفضت.
شهد شاهد من أهلها للفصل في ذلك الخلاف، فقال لهم: إذا كان القميص قد قطع من الأمام فهي صادقة وهو كاذب، وإن كان القميص قد قطع من الخلف فكذبت وهو صادق.
قال العزيز لما رأى قميص يوسف مقطوعًا من الخلف: "إنه من كيدكن، إن كيدكن عظيم".
سمعت زوجة العزيز نساء مصر يتحدثن عليها وعلى فعلتها، فدعوتهن إلى مجلس وأعطت كل واحدة منهن سكينًا وبرتقالة، ثم أمرت يوسف بأن يدخل عليهن.
عندما دخل يوسف، أصبحت النساء اللاتي كانت مشغولة بتقطيع البرتقال، تقطع أيديهن من شدة ذهولهن.
فقالت لهن: "هذا هو الغلام الذي لمتنني فيه، ولقد راودته عن نفسي فرفض، وإن لم يفعل ما أطلبه منه لَيُسْجَنَنَّ.
دعا يوسف عليه السلام ربه قائلاً: "ربِّ السجن أحب إليَّ مما يردنني أن أفعل، وإن لم تصرف عني كيدهن برحمتك، أميل إليهن وأتبع أهواءهن وأكن من الخاسرين.
دخول يوسف عليه السلام السجن
دخل يوسف السجن ظلما وبهتانا عظيما، وكان للملك ساقي ماء وطاهي طعام وُضعا في السجن، فرأى الساقي بأنه يسقي الملك ماء عنب، بينما رأى الطاهي أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل منه الطيور.
ذهبا إلى سيدنا يوسف وقصا عليه رؤيتهما، فقال لهما: أما من رأى أنه يعصر العنب فهو سيخرج من السجن برئ، وأما الذي رأى أنه يحمل خبز تأكل الطير منه فسيصلب وتأكل الطيور من لحمه، بالفعل حدث ذلك. ثم طلب من البرئ منهم أن يقص مظلمته على الملك، بخصوص قضية النسوة التي قطعنا أيديهن.
تأويل رؤيا الملك والنجاة من السجن
نسي البريء ذكر مظلمة يوسف عليه السلام للملك، وبعد مرور بضعة سنين، رأى الملك في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف، وسبع سنبلات خضر جفت وتحولت إلى سنبلات عجاف.
أمر الملك بجمع الكهنة والمنجمين لتفسير رؤيته، فعجز الجميع عن تأويل هذه الرؤية، فتذكر ساقي الملك أخيرًا أمر يوسف عليه السلام، فذهب إلى الملك وأخبره أنه يعرف الشخص المناسب، فذهب إلى السجن وطلب من يوسف تأويل الرؤيا.
قال يوسف عليه السلام: ستأتي سبع سنوات يكون فيها الخير وفيرًا، ويجب على الناس أن تعمل بجد وتخزن القمح في صوامعها بدون نزعه من السنابل، وتأخذ منه ما يكفيها للطعام فقط، بعد ذلك يأتي عليهم سبع سنوات عجاف يخرجون من صوامعهم ما خزنوا فيها لمثل هذا الموقف العصيب.
من السجن إلى عزيز مصر جزاء صبر يوسف
فرح الملك بأنه أخيرًا وجد من قام بتأويل رؤياه بصدق، وأمر بخروج يوسف عليه السلام من السجن بعد أن عرف الجميع برأته من قصة النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ليصبح سيدنا يوسف عزيز مصر.
بعد أن ضرب القحط والجفاف العالم كله، أصبحت الناس تتوافد من جميع أنحاء الأرض لتشتري الحنطة من مصر. وفي أحد الأيام، جاء أخوة يوسف لطلب الحنطة (القمح) من عزيز مصر، فعرفهم وهم لم يعرفوه.
فقال لهم: في المرة المقبلة أحضروا معكم أخيكم من أمكم (بنيامين)، وإن لم تفعلوا ذلك لن تحصلوا مني على حنطة، ولا تقربوا أرض مصر. ثم أمر الفتيان بوضع بضاعة أخوته في رحالهم بين حبوب القمح ليعرفوا أن القرار نهائي.
عهد يعقوب عليه السلام مع أبنائه
عاد الأخوة إلى أبيهم يعقوب عليه السلام، الذي لم يفارق يوسف قلبه ولا فوئاده يوماً، وقالوا له: يا أبانا لقد منع عزيز مصر عنا الكيل لأنه يريد رؤية أخانا بنيامين.
رد عليهم أبوهم: وهل تنتظرون مني أن أرسله معكم كما فعلت مع يوسف من قبل؟ فالله هو الحافظ والرازق. فلما قاموا بفتح رحالهم وجدوا البضاعة ردت إليهم، فقالوا لأبيهم: والآن يا أبانا، ربما تصدقنا لأن هذه بضاعتنا ردها إلينا عزيز مصر.
قال لهم أبوهم: لن أرسله معكم حتى تقيموا لي موثقا من الله لتأتونني به سالما غانما إليّ، قام الأخوة بمعاهدة أبيهم على الرجوع بأخيهم سالمين إلى أبيه.
لقاء الإخوة: يوسف وأخاه والسقايا
لما ذهبوا إلى عزيز مصر ضم أخيه إلىه وعرفه بأنه أخوه يوسف. وبعد أن جهزهم بالحنطة، أمر الفتيان بوضع سقية غالية في رحال أخيه، وعندما وصل الأخوة إلي حدود سيناء أوقفهم الجنود يوسف قائلين: أيها الرعاة، إنكم قد سرقتم!.
تعجب الأخوة وقالوا: فيما بينهم: "كيف نسرق ونحن بحاجة إلى الطعام؟" فأقبلوا إليهم وسألوهم عن الشيء الذي فقدوه، فقال يوسف عليه السلام: "نفقد صواع الملك، السقية التي أهداها إليّ".
فاقترح يوسف تفتيش أكياس الحنطة بعد إنكار الأخوة لذلك، فبدأ بالكبير حتي وصل إلى أصغرهم وهو أخوه، فقال الأخوة كلمة أغضبت يوسف: "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل"، فكتمها يوسف في نفسه وقال لهم: "الله أعلم بمن تصفون".
طلب الإخوة من عزيز مصر أن يأخذ واحدًا منهم ويترك أخاهم هذا، كي لا ينقضوا عهدهم مع أبيهم، فأخبرهم العزيز أن ذلك ظلمٌ لأن السارق يجب أن يعاقب.
بقي أحد إخوة يوسف ورفض العودة معهم، كي لا يرى حزن أبيه، وحثهم على إخباره بفعلة ابنه وأن يستشهدوا بالقافلة التي أتت معهم إلى أرض مصر.
صدمة جديدة ليعقوب عليه السلام
عندما عاد إخوة يوسف إلى أبيهم، لم يجد يعقوب عليه السلام ابنه الأصغر، وبعد أن سئلهم عنه قالوا له: "لقد سرق ابنك وتم سجنه في مصر، وإن لم تصدقنا فاسأل هؤلاء الناس".
لم يقتنع يعقوب عليه السلام بكلام أبنائه، وأخبرهم أن أنفسهم سولت لهم مكيدة بأخيهم كما فعلوا بيوسف، وأخذ يبكي على يوسف حتى ابيضت عيناه من شدة الحزن.
بالرغم من يأس الجميع من عودة يوسف، كان يعقوب يعلم من الله ما لم يكن يعلمه غيره. فطلب من أبنائه الذهاب إلى مصر والسؤال عن أخبار إخوتهم يوسف وبنيامين، وألا يسمحوا لليأس من رحمة الله أن يدخل قلوبهم.
القميص البشير ونهاية التأويل
ولما دخلوا على يوسف شكوا إليه حالهم والقحط الذي ضرب أرضهم وحال والدهم المريض، كما أخبروه أن لديهم بضاعة قليلة لا تكفي ثمن الحنطة، وطلبوا منه الصدقة والرأفة بحالهم.
أخبرهم يوسف أخيرا بفعلتهم به، فتعجب الإخوةوقالوا له: يبدو أنك أنت يوسف؟" قال لهم: أنا يوسف وهذا أخي، قد منّ الله تعالى علينا.
فقالوا له: لقد أكرمك الله تعالى علينا وأعطاك مكانة أفضل منا.
فسامحهم يوسف عليه السلام وطلب منهم أن يضعوا قميصه على وجه أبيهم، وأخبرهم أنه سيرتد إليه بصره بأمر الله تعالى، وأن يحضروا أهلهم جميعًا ويعيشوا في أرض مصر.
ولما إقترب البشير من بيت النبي يعقوب، قال له: إني أشم ريح يوسف! قالوا له أهله: لقد عدت إلى ضلالك القديم.
ولما جاء البشير أُلقي بقميص يوسف على وجه ابيه يعقوب فارتد إليه بصره بأمر الله تعالى. وأخبرهم أنه كان بالفعل يعلم من الله ما لم يعلموه هم،
وعندما وصل يعقوب عليه السلام إلى أرض مصر وجد ابنه بانتظاره، ولك أن تتخيل ما دار بين الأب وابنه بعد غيبة كل هذه السنوات.
وسجد له أبوه وأمه والمقصود بهما الشمس والقمر - وإخوته الأحد عشر وهما أحد عشر كوكبًا - ليخبر يوسف أباه يعقوب عليهما السلام أن هذا هو تأويل رؤياه التي جعلها ربي حقًا، ثم حمد يوسف الله تعالى على نعمته.
