عمر بن الخطاب مع أم الأيتام: قصة العدل الذي اشترى مظلمته بـ 600 دينار"

​قصة عمر بن الخطاب مع أم الأيتام ليست حكاية عادية، بل هي قصة إسلامية تجسد في سطورها معنى تحمل الأمانة والمسؤولية. وهذه القصة واحدة من قصص عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، والتي يتعرض فيها لموقف مؤثر مع أم أيتام جياع.

هذه الأم شكت غياب العدل، ولامت أمير المؤمنين على غفلته عن حالها. فكيف حول عمر الصخور التي كانت في قدر المرأة إلى وقود لمحاسبة نفسه قبل أن يحاسبه الله؟ هيا بنا نتعرف على هذه القصة الجميلة عن الأمانة.

عمر بن الخطاب مع أم الأيتام يطهو لها ولأطفالها الجياع الطعام

خيمة أم الأيتام وماذا تطبخ في القدر؟

في إحدى الليالي، خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بصحبة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، لتفقد أحوال الرعية.

فرأى نورًا يشع من بعيد، وعندما أمعن النظر رأى أمامه امرأة جالسة أمام خيمتها تضع قدرًا على النار، وحولها أطفال يصرخون بصوت ضعيف.

وعندما اقترب منها وجد الأطفال قد ناموا، وعندما نظر داخل القدر وجد فيه ماءً، وفي الماء حجارة صغيرة "حصى".

فسألها عمر: "ماذا تصنعين يا أمة الله؟".

أجابته: "أنا أطبخ عشاءً للصبية".

فسألها وهي لم تعرفه: "وماذا وضعتِ في القدر؟".

أجابت المرأة: "لقد وضعت الماء والحصى على النار، لأقنع الصبية أني أطبخ لهم العشاء، فعمر غافل عن رعيته، ونحن نشكوه إلى الله".

بعد سماع تلك الكلمات، جثا أمير المؤمنين على ركبتيه، وتلعثم لسانه عن الرد، وبكى حتى أصبح في خديه خطان أسودان من خشية الله.

فسألها: "وما الذي يدري أمير المؤمنين عنكم وعن حالكم؟".

ردت المرأة: "وإذا كان لا يعرف عن حالنا شيئًا فلماذا تولى أمرنا؟".

سرعة عمر في استجابة طلبات الرعية

لم ينتظر عمر رضي الله عنه طويلاً، فانطلق مسرعًا إلى بيت المال، وجمع منه دقيقًا وزبيبًا وعسلًا وسمنًا، ثم وضعهم في كيس، ثم قال لخادمه: "احمل هذا".

أجابه الخادم: "دعني أحمل عنك يا أمير المؤمنين".

أصر عمر قائلاً: "بل احمل هذا عَلَيَّ".

رد عليه الخادم: "أَعَلَيْكَ أَمْ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟".

قال له عمر: "ثكلتك أمك، أو أنت ستحمل عني أوزاري يوم القيامة؟".

فحمل أمير المؤمنين كيس الطعام على ظهره، ثم انطلق به قاصدًا خيمة الأطفال الجياع.

وعندما وصل إلى خيمتهم، أشعل النار بنفسه وعجن الخبز بيديه الكريمتين، ليقي نفسه من نار الله يوم القيامة، حتى تخلل دخان النار لحيته، وعندما انتهى من تجهيز الطعام، أيقظ الصبية الأيتام ليأكلوا.

كيف كان عمر يهتم حتى بمشاعر رعيته؟

جلس عمر فوق صخرة قريبة منهم، وأخذ ينظر إلى الأطفال الجياع وهم يأكلون.

فقال له عبد الرحمن بن عوف: "يا أمير المؤمنين، لقد أديت واجبك، والبرد شديد، هيا بنا".

أجابه عمر: "والله لن أغادر هذا المكان إلا عندما أراهم يضحكون كما رأيتهم يبكون".

وعندما انتهى الأطفال من تناول العشاء، اقترب عمر من المرأة وقال لها: يا أمة الله، غدًا تحضرين إلى مقر الحكم، وسأخبر أمير المؤمنين عمر بشأنك.

أجابته المرأة: "جزاك الله خيرًا، والله إنك أنت خير منه".

لم تكن المرأة تعلم أنها تقف أمام أمير المؤمنين، وذلك من شدة تواضع عمر بن الخطاب، وحرصه على أن يكون هو خادم القوم، وهذه هي صفة سيد القوم فيجب أن يكون خادمهم.

معذرة منك يا أمير المؤمنين لم أعرفك

في اليوم التالي، ذهبت المرأة إلى ديوان الحكم وقابلت عمر، وعندما تقدم إلى مجلس الحكم كان عن يمينه علي بن أبي طالب وعن شماله ابن مسعود، وكلاهما يقول له: تفضل يا أمير المؤمنين.

عندما علمت المرأة أن هذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، خافت وارتعشت وكاد يغمى عليها من شدة الخوف، فقالت له بصوت متلعثم: المعذرة منك يا أمير المؤمنين والله لم أعرفك.

فأجابها: يا أمة الله رحمك الله، وهل تعلمين لماذا دعوتك إلى هنا؟ لقد دعوتك لأشتري منك مظلمتك التي ظلمتك إياها، فبكم تبيعينها؟ هل يكفيك خمسة وعشرون دينارًا؟

ثم قال للحاضرين: اكتب يا علي ويا ابن مسعود أن عمر اشترى مظلمة المرأة التي ظلمها، وضعوها في أكفاني بعد موتي، لعلي ألقى الله بها يوم القيامة.

العبرة من قصة عمر مع أم الأيتام

​"قصة عمر بن الخطاب مع أم الأيتام" تلخص مفهوم الحكم في الإسلام. لكي يشعر الحاكم بشعبه يجب عليه أن يعيش معيشتهم، يأكل من طعامهم، ويشرب من مائهم، ويعيش في بيوتهم، والأهم من ذلك أن يضع نفسه مكانهم، ويحاسب نفسه على تقصيره.

فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب حاسب نفسه حتى على دموع الأطفال الجياع، لأنه رضي الله عنه كان يعلم أن الله سيحاسبه على رعيته، وهذه هي شيم الأمانة.

عمرو عكاشه
عمرو عكاشه
تعليقات