بعد طوفان نوح عليه السلام، نزل البشر لِعمارة الأرض وعبادة الله الواحد الأحد، ولكن بعد توافد الأجيال انغمس الناس في حب الدنيا ونسوا ما كان يعبد آباؤهم، حتى أتت أجيال أخرى توارثت عبادة الأصنام وقالوا مقولتهم الشهيرة: "هذا ما وجدنا عليه آباءنا". ولكن في قصص النمرود نجد أن الأمر يختلف تمامًا. فلقد جعل من نفسه إلهًا للناس من دون الله، وأحكم قبضته على بلاد بابل وكل من حولها. ولكن ماذا حدث في قصة النمرود مع إبليس؟ هذا ما سنتعرف عليه في قصتنا اليوم.
النمرود هل كان اول من سجد للشيطان!
كان النمرود ممن سولت لهم أنفسهم أنهم مخلدون في الدنيا، فقد كان مفتونًا بالسلطة وبسط النفوذ على مشارق الأرض ومغاربها. لذلك، فكر في الحصول على قوة لا يملكها غيره.
هذه القوة كانت هي السحر، ليصبح النمرود أول من أبرم صفقة بين الإنس والجن، ولكن هذا النفر من الجن لم يكن جنيًا عاديًا! بل كان إبليس كبير الشياطين. اشترط إبليس على النمرود أن يسجد له، ويبيع له روحه ونفسه مقابل أن يعلمه السحر، ليسيطر به على الأرض ويبسط سلطته عليها، ليصبح النمرود هو اول من سجد للشيطان. بعد ذلك، بدأ إبليس بتعليم النمرود السحر، ثم انقلب النمرود على والده الملك وقدمه قربانًا للشيطان.
النمرود أول من لبس التاج
وضع النمرود أول تاج على رأس ملوك الإنس، مستمدًا تلك الفكرة من ملوك الجن. أخضع النمرود الأقاليم السبعة تحت حكمه وحده، ثم ادعى أمام عامة الشعب أنه الإله الوحيد ولا يوجد إله غيره، كما أخبرهم أنه الشمس.
ملك مثل النمرود يبسط نفوذه على الأرض، لا بد أن يكون له مبنى مميز. فقام النمرود بجمع عدد كبير من عامة شعبه، يُقدر عددهم بنحو ستمائة ألف رجل لبناء برج. ذلك البناء لم يكن عاديًا، فلقد كان يستغرق الوصول إلى نهايته مسيرة عام كامل.
قصة النمرود مع إبراهيم
بعدما كسر نبي الله إبراهيم أصنام القوم، جيء به إلى النمرود، فأمر بحفر حفرة ضخمة وإيقاد النار ورمي إبراهيم فيها، ففعل القوم ذلك. لكنهم فشلوا في رمي نبي الله إبراهيم بالنار، فقام رجل من الأكراد إسمه هيزن بصنع أو منجانيق في التاريخ، وعقاب له خسف الله به الأرض، فهو يسبح فيها إلى يوم القيامة، بعد ذلك رُمي القوم إبراهيم عليه السلام في النار.
بعد أن هدأت النار، نزل القوم لجمع رمادها ورماد إبراهيم عليه السلام، لكنهم ذُهلوا عندما خرج عليهم نبي الله إبراهيم من تحت الرماد حيا سليما معافى بإذن الله، فآمن بإبراهيم عدد كبير من قومه.
بعد أن سمع النمرود بإبراهيم، أمر بإحضاره إليه، فلما وقف عليهم السلام أمام النمرود سأله: من ربك؟، قال: ربي الذي يُحْيِي ويميت. قال النمرود: "أنا أستطيع أن أحيي وأميت". ثم أمر بإحضار اثنين محكوم عليهما بالإعدام، فقتل واحداً وترك الآخر. قال له إبراهيم: "إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ أنت بها من المغرب إن كنت من الصادقين". فبُهت النمرود ولم يستطع أن يرد على إبراهيم عليه السلام.
النمرود والثعبانين
غضب النمرود بشدة مما سمع من كلام إبراهيم عليه السلام له، واستدعى إبليس ليوبخه على ذلك، فقال له: "لقد وعدتني بالقوة المطلقة والآن عجزت أن أرد على سؤال واحد من أحد رعيتي". قال له إبليس: "لقد جعلت منك ملكًا على أقاليم الأرض التي يرتعد سكانها حين يُذكر اسمك". قال له النمرود: "الجميع يرتعد مني إلا هذا، وإن لم تُعني عليه قطعتك إربًا".
لم يغضب إبليس من كلام النمرود، بل كان سعيدًا بكمية الجبروت التي وصل إليها تلميذه. قبل إبليس كتفي النمرود وقال له: "كما تشاء يا مولاي". ثم انصرف ليترك النمرود في حيرة من أمره: هل هذا اعتذار من المعلم؟ أم وداع؟ أم أن هناك سبباً آخر.
أحس النمرود بألم في ضلوعه، وفجأة رأى أفعيين تخرجان من مكان قُبلات إبليس! ورأى أمامه رسالة محتواها: "يجب عليك إطعام الأفواه الجائعة عندما تجوع، لأنها إن لم تجد ما تأكله ستأكل رأسك أنت".
أراد النمرود قطع رأسي الأفعيين ولكن الرأس كانت تنبت مرة أخرى! أمر النمرود جنوده بإحضار رؤوس أطفال مملكته لإطعام الأفعيين عندما يشعران بالجوع. كما أراد النمرود إخفاء تلك الأفاعي عن الناس، فلبس عباءة كبيرة تعجب لها قومه.
كان بين الناس الذين أخذ النمرود أطفالهم أمام أعينهم حداد مؤمن بإبراهيم، وكان رجلاً قوياً وله كلمة بين الناس. فطلب من أهل المملكة الثورة على حكم النمرود الظالم. فصاح فيهم: " ماذا تنتظرون بعد أن قطع النمرود رؤوس أطفالكم أمامكم؟". بهذه الكلمات استطاع الرجل جمع عددًا كبير من الناس، وذهب إلى قصر النمرود. ظن النمرود أن الحداد جاء إليه يترجاه ليصنع له هدية.
كيف مات النمرود
عندما دخل الحداد، تفاجأ النمرود من حديثه بنبرة غليظة ومن تصرفاته! لأنه كان أول من يتحدث إليه بتلك النبرة الغليظة. قال له الحداد: "اسمعني جيدًا يا ملك بابل وأشور والأقاليم السبعة، أسلم تسلم وإلا قضينا عليك وأنهينا حكمك الظالم". غضب النمرود وقرر الحرب معهم وردد بصوت عالٍ: "لأمحون من على الأرض إبراهيم وأتباعه".
اقتربت المعركة. جيش الحداد قليل العدد والعدة، أما جيش النمرود فكثير العتاد والعدة. تأكد النمرود بأنه سينتصر بسهولة في هذه المعركة، إلا أن نصر الله كان حليفًا المؤمنين. فلقد أرسل الله تعالى أسرابًا من البعوض هجمت على النمرود وجيشه، فانتصر المؤمنون على جيش النمرود العظيم.
دخلت بعوضة إلى أنف النمرود حتى وصلت إلى داخل رأسه، وعندما كانت تثور يتألم النمرود ويعذب عذابًا شديدًا، ولا تهدأ ثورتها حتى يضربه أحد جنوده بنعله على رأسه حتي ينزف الدم من أنفه. بقيت البعوضة في رأس النمرود حتى مات في برجه الذي بناه، والذي كان أعجوبة من عجائب الدنيا التي لم يبقَ منها شيء.
الخاتمة
لا توجد مصادر موثقة لسجود النمرود لإبليس، كما لا يوجد مصدر صحيح لظهور ثعبانين على كتفي النمرود بسبب إبليس. المصادر الموثقة هي قصة الرجل الكردي هيزن الذي صنع المنجنيق للنمرود الذي رمي به القوم إبراهيم في النار، وقصة البعوضة التي دخلت إلى رأس النمرود.
